سيد محمد طنطاوي
95
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس ، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم ، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن في خلق عيسى ، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد ، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده ، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته . وقوله : * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله . أي : واللَّه - تعالى - قدير على كل شيء ومالك لكل شيء ومهيمن على كل شيء لا يغلبه شيء طلبه ، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من مخلوقاته وعبيده ، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون اللَّه - عز وجل - . فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة في شأن عيسى - عليه السلام - وترد عليهم بما يزهق باطلهم ، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد اللَّه وأن العبادة إنما تكون للَّه الواحد القهار . ثم ساق - سبحانه - بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وقالَتِ الْيَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما وإِلَيْه الْمَصِيرُ ( 18 ) قال الإمام ابن كثير : روى محمد بن إسحاق وابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جماعة من اليهود فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى اللَّه - تعالى - وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن أبناء اللَّه وأحباؤه كقول النصارى فأنزل اللَّه - تعالى - فيهم . * ( وقالَتِ الْيَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه ) * . . الآية « 1 » . وقوله - تعالى - * ( وقالَتِ الْيَهُودُ والنَّصارى ) * حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة ، يدل على سفاهة عقولهم ، وبلادة تفكيرهم ، حيث قالوا في حق اللَّه - تعالى -
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 35